نصر حامد أبو زيد
175
الاتجاه العقلي في التفسير
يعنى بالشرح أكثر من التحليل ما يزال طاغيا . وفي هذه القضية ليس ثمّة خلاف أساسي بين المعتزلة وابن قتيبة ، ومن ثم فهو يكاد ينقل عنهم شروحهم وتأويلاتهم ، خصوصا عن الفراء . وإذا انتقلنا إلى قضية العدل ، فإننا نجد الخلاف واضحا ، وهنا تبرز الشخصية السنية لابن قتيبة . وإذا كان في « تأويل مشكل القرآن » لم يتعرّض أو يشر من قريب إلى « محكم » مقابل « للمتشابه » فإنه في « تأويل مختلف الحديث » وحين يرد على النظّام هجومه على ابن مسعود يلمح بشكل غير مباشر إلى معنى الاحكام في بعض الآيات التي يفسّرها على ظاهرها مخالفا بذلك المعتزلة الذين يتأولون هذه الآيات على أساس أنها « متشابهات » وهي كلها آيات توهم بأن اللّه هو الذي يضلّ وهو الذي يهدي . يقول : « وكيف يكذب ابن مسعود في أمر يوافقه عليه الكتاب يقول اللّه تعالى أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ أي جعل في قلوبهم الايمان ، كما قال في الرحمة فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ الآية أي سأجعلها ومن جعل اللّه تعالى في قلبه الايمان فقد قضى له بالسعادة ، وقال عز وجل لرسوله صلى اللّه عليه وسلم إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ولا يجوز أن يكون إنك لا تسمي من أحببت هاديا ولكن اللّه يسمي من يشاء هاديا ، وقال فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ كما قال وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى ولا يجوز أن يكون سمى فرعون قومه ضالين وما سماهم مهتدين وقال فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ وقال وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وأشباه هذا في القرآن والحديث يكثر ويطول » 135 وهذه الاستشهادات الكثيرة على مسألة واحدة ، تعني أن هذه الآيات - من وجهة نظر ابن قتيبة - محكمات لا تحتاج لتأويل ، وإن احتاجت لمزيد من الشرح والتوضيح ردّا على تأويلات المعتزلة لها . ويتوقف ابن قتيبة طويلا أمام قوله يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ لينفي عنه تأويلات المعتزلة السابقين عليه ، وهو يعتمد في ذلك على التفرقة بين صيغتي أفعل بزيادة الهمزة ، وفعل بالتضعيف ومعنى كل منهما . فصيغة أفعل تعني وجدت الشيء على صفة ، بينما فعل تعني وصف الشيء بصفة وذهب « أهل القدر » في قوله عز وجل : يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى أنه على جهة التسمية والحكم عليهم بالضلالة ، ولهم بالهداية وقال « فريق منهم » يضلهم ينسبهم إلى الضلالة ، ويهديهم : يبين لهم ويرشدهم . فخالفوا بين الحكمين . ونحن لا نعرف في